عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
421
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
فشرب حتى روى ، ثم أخذتها منه فشربت حتى رويت وشرب أيضا من كان إلى جانبي ممن ليس معه ماء ، ثم ملأتها ثانية فعجنا الدقيق ، فلما حصل استغناؤنا ملأتها بعد ذلك فوجدتها ملحا على ما نعهد ، فعلمت أن الحاجة إذا تحققت قلبت الأعيان ، رضي اللّه عنه ، وقال بعض الشيوخ : كنا جماعة من الفقراء في بعض الأسفار ، فوصلنا إلى مخاضة من البحر فخضنا حتى توسطنا ، فرأيت شابا من الجماعة يشرب من الماء بكفه ، فقلت في نفسي هل هذا الماء حلو ؟ فأخذت منه وذقته فوجدته ملحا ، فقلت يا بنىّ اسقني ، فقال لي يا عمّ اشرب ، فقلت هو حارّ وأردت بذلك ستر حاله عنه ، فدفعت إليه إناء من الفخار ، فملأه من وسط الماء ، فشربته أنا والجماعة كلهم حلوا ، انتهى كلامه . قلت : يعنى بقوله : وأردت ستر حاله عنه . أي أخفيت عنه ظهور هذه الكرامة منه ، وأوهمته أن الماء حلو لكلّ أحد يشرب ، ولكنه حار أريد أن أبرده في إناء الفخار ، ولما كانت العادة والعرف أن الشبان هم الذين يتولون الخدمة من الاستقاء وغيره ، سأله أن يستقى له في الإناء سترا لحاله عنه ، لئلا يرى أنه مميز عن الجماعة بهذه الكرامة مع كونه حدثا يخشى عليه العجب ، وهذا الشيخ المذكور هو أبو زيد القرطبي رضى اللّه تعالى عن الجميع ونفعنا بهم آمين . ( الحكاية التاسعة والثمانون بعد الأربع مئة : عن الشيخ أبى الربيع المالقى رضي اللّه عنه ) قال : كنت ليلة فقدت من بعض أحوالي شيئا ، فاشتغل سرّى بذلك ، فرأيت ذات ليلة هدهدا جلس قدامي وكلمني بكلام لم أفهمه ، ثم طار وجلس على كتفي الأيسر وكلمني ، فلم أفهم ما يقول ، ثم طار وجلس على كتفي الأيمن ووضع فمه في فمي وجعل يزقنى ، فانتفخت ، ثم سمعت خشخشة في صدري ، فتحمست لذلك وعلمت أنه أمر مراد منى ، ثم ظهر لي شخصان فتقدّم أحدهما ، فشقّ عن صدري وأخرج قلبي ووضعه في طست ، فسمعت أحدهما يقول للآخر احفظ شجرة العلم ، فغسله ثم وضعه في الجانب الأيمن ثم ألحم الشق فلم أر من ذلك الوقت شيئا خارجا عنى ، وأخذت عن نفسي ، فسمعت نداء : سل يا سليمان ، فقلت أسأل رضاك رضاك ، فقال رضيت رضيت ، فمن اليوم فتح علىّ القرآن ورؤية القلب ، فأنا اليوم أرى بقلبي وأسمع القرآن يتلى علىّ من الجانب الأيمن ، رضي اللّه عنه ونفعنا بهم آمين . وقال بعض المكاشفين : كنت